الصالحي الشامي
300
سبل الهدى والرشاد
عليه ، ومحبة العالم دين يدان بها العلم ، يكتسب العالم الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد موته ، ومنفعة المال تزول بزواله ، مات خزان الأموال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة ، هاه هاه ، وأشار بيده إلى صدره ، إن هاهنا علما لو أصبت له حملة بلى أصبته لفتى غير مأمون عليه ، يستعمل آلة الدينا للدين ، فيستظهر لحجج - الله تعالى - على كتابه ، وبنعمه على عباده ، وينقاد لأهل الحق ولا بصيرة له في اخبائه ، يقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة ، لاذا ولا ذاك أو منهوما للذات ، سلس القياد للشهوات ، أو مغري لجمع الأموال والادخار لهما في دعاة الدين ، أقرب شبها بالانعام السائحة ، كذاك يموت هذا العلم بموت حامليه ، اللهم لا تخلوا الأرض من قائم الله - عز وجل - بحجة الله لكيلا تبطل حجج الله وبيانه أولئك هم الأقلون عددا ، الأعظم عند الله قدرا ، بهم يدفع الله - عز وجل - عن حججه ، حتى يؤديها إلى نظرائهم ، ويزرعوها في قلوب أشباههم هجم بهم العلم على حقيقة الامر فاستلابوا ما استوعد منه المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالنظر إلى الاعلى ، أولئك خلفاء الله في بلاده ، ودعاته إلى دينه ، هاه هاه شوقا إلى رؤيتهم ، أستغفر الله لي ولك ، إذا شئت فقم ، ودخل ضرار بن صخرة الصدائي على معاوية - رضي الله تعالى عنه - فقال : صف لي عليا ، فقال : كان والله بعيد المدي ، شديد القوى ، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس إلى الليل وظلمته ، وكان والله غزير الدمعة ، كثير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلب كفه ، ويخاطب نفسه ، ويعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما خشن ، كان والله كأحدنا ، يدنينا إذا أتيناه ، ويجيبنا إذا سألناه ، وكان مع تقربه إلينا وقربه منا لا تكلمه هيبة له ، فإن تبسم يضئ مثل اللؤلؤ المكنون المنظوم ، يعظم أهل الدين ، ويحب المساكين لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخي الليل سدوله وغارت نجومه يتمثل في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين فكأني أسمعه الان وهو يقول : يا دنيا يا دنيا ، غري غيري ثم يقول للدنيا : إلى تعرضت ، أم إلي تشوقت ؟ غري غيري قد بنتك ثلاثا فعمرك قصير ، ومجلسك حقير ، وخطؤك كثير ، آه آه ، من قلة الزاد ، وبعد السفر ، ووحشة الطريق ، فوكفت دموع معاوية على لحيته ما تملكها ، وجعل ينشفها بكمه وقد اختنق القوم بالبكاء ، وقال هذا أبو الحسن ، كيف وجدك عليه يا ضرار ؟ قال : وجد من ذبح واحدها في حجرها ، لا يرق دمعها ، ولا يسكن حزنها ، ثم قام فخرج ، ولما امتلا بيت المال من صفراء وبيضاء ، قال : الله أكبر ، وأعطى جميع ما في بيت مال المسلمين ، وهو يقول : يا صفراء يا بيضاء غري غيري ، حتى ما بقي منها دينار ولا درهم ثم أمر بنضحه ، وصلى فيه ركعتين رجاء أن تشهد له يوم